فخر الدين الرازي
309
المطالب العالية من العلم الإلهي
فإن قال قائل : إن السؤال والجواب إنما يتم مع الأكفاء والأمثال ، واللّه منزه عن ذلك . فكيف تمكن المناظرة مع اللّه ؟ ولهذا قال تعالى : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ « 1 » . فالجواب عنه من وجهين : الأول : إن المناظرة مع اللّه ، إذا كانت ممتنعة كان إيراد هذا السؤال من اللّه يجب أن يكون عبثا ، وذلك يقتضي القدح في كلمة اللّه تعالى . الثاني : إن القرآن قد دل على أن هذه المناظرة غير ممتنعة . ويدل عليه آيات : أحدها : قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ « 2 » وثانيها : قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 3 » وثالثها : قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ، لَقالُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى « 4 » ورابعها : قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ، وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ « 5 » ؟ [ ومعلوم « 6 » ] أن المراد منه : إنا أمهلناكم وأزلنا عذركم [ حتى لا يبقى لكم عذر « 7 » ] ولا حجة علينا . وخامسها : قوله تعالى : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها « 8 » ومعلوم أن تلك المجادلة إنما تكون مع من يطالبها ويجانسها . وما ذاك إلا اللّه تعالى . فيلزم أن تكون مجادلة العبد مع اللّه . وسادسها : قوله تعالى حكاية عن الكفار : رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى . وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً « 9 » ؟ ثم لم يقل في
--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية : 23 . ( 2 ) سورة المائدة ، آية : 19 . ( 3 ) سورة النساء ، آية : 165 . ( 4 ) سورة طه ، آية : 134 . ( 5 ) سورة فاطر ، آية : 37 . ( 6 ) من ( ط ، ل ) . ( 7 ) من ( ط ، ل ) . ( 8 ) سورة النحل ، آية : 111 . ( 9 ) سورة طه ، آية : 125 .